مارس 11, 2008 من تأليف hassna

إستيقظت هذا الصباح على شعور مرير بخواء ما. وكأنني كنت حبلى أنتظر مجيئا وإذا بي أطرح قبل النضوج. آلمني كثيرا ذلك الشعور، رغم أنني لم أدر ما أجهضت. تذكرت تلك الأديبة التي كانت تلبس أجمل فساتينها ثم تجلس لتكتب رسالة إلى حبيبها. ففتشت في خزانتي وأخرجت ذلك الثوب المزركش كالذي كانت تلبسه جدتي وارتديته علّني أستفز بألوانه الصارخة ذاكرتي وأعي ما فقدت.
تمثلت أمامي تلك الطفلة الصغيرة بشعرها الاجعد المتمرد. كم كانت أمي تستميت في ترويضه بشتى أنواع الكريمات والملاقط المتنوعة؛ ذلك أن الشعر الأملس كان وقتها يحتكر رموز الجمال، ولكن ما أن تدير ظهرها حتى أفك الضفائر وأنزع الملاقط وأهب شعيراتي للريح يبث فيها الفوضى. وأنا أتخيل نفسي بطلة من حكايات جدتي مثل (لونجا بنت الغولة أو عيشة مغيغدة) أو غيرهما وكلهن كن ذوات شعور طويلة ملساء يسكنها الليل.
تذكرت ذلك الجسد النحيل وذلك اللّسان المتلعثم عند حرف السّين مما كان يثير ضحك من حولي ويزيد من عقدي، وحبات الأرز أزرعها في فناء البيت والحمام من حولي وأنا أقفز بينه متمتمة اناجيه فيخرج أبي ذات صباح ويرقبني باستمتاع ثم يحلو له أن يناديني تيتي صديقة الحمام وتلازمني تلك التسمية لسنوات بعد ذلك.
ومن بين ما تذكرت تلك العادة التي طالما أخافت أمي دون أن أفهم السبب، ذلك أنني كنت مدمنة أحلام إلى حد التوحّد. فكنت كلما احسست بخطر أو آلمني موقف ما أسرعت إلى ركن في البيت و تكورت مثل قطة صغيرة تحت لحاف، وبيدي دمية صنعتها من عود ثقاب قد ربطت عند احد طرفيه بعض تلك الخيوط الملونة التي كانت تزين محرمة (غطاء الرأس) جدّتي وتتراقص على جبينها مثل خيوط الشمس. أحرك تلك الدمية يمينا فتضيئ الشموع تحت لحافي أو خيمتي وأحركها يسارا فتمتد أمامي سهول خضراء واسعة وأنا من تحت اللحاف اتمتم كلاما لا تفقهه أمي. فترفع عني اللحاف وتناديني بصوت خائف.
أحيانا كنت أرق لحالها فأجيبها ولكن غالبا ما كنت أتمادى في لعبتي تلك وكأنني لم أعد أعي ما يدور من حولي. الدمية بيدي تتراقص خيوطها كأحلامي ولساني يردد كلمات غير مفهومة. لقد وجدت في هذه الطريقة حلاّ لفض الخلافات التي كانت تشب أحيانا في البيت ووسيلة لمعاقبة الكبار حين يتجاهلون وجودي في غمرة ثوراتهم، فأخترع لنفسي عالما أمنعهم من الولوج إليه.
أحيانا كانت أمي تستعين بجدّتي فتأتي هذه المسكينة ممسكة بحفنة من الملح وتجلسني على ركبتيها ثم تبدأ في قراءة بعض السور أو الآيات مع بعض التعاويذ وترسم في الفضاء حولي تلك الدوائر السبع لتبعد عني الشياطين، كما كانت تقول فإذا فرغتْ من ذلك، خرجتْ إلى الفناء ونثرت ذرات الملح وأسرعتُ أنا خلفها اتفقد الشياطين التي حررتها جدتي من داخل رأسي.
وعندما يتفاقم الوضع تخرج أمي ذات صباح وتعود بعد سويعات بمربع صغير مصنوع من قماش قبيح المنظر تفوح منه رائحة نتنة ومربوط بخيط لن ارضى أبدا أن أستبدله بالخيوط التي صنعت منها دميتي فتلفه حول رقبتي وتدسه بين أثوابي، ليحرسني من عين السوء تقول لي. ولا تصمد تلك التميمة سوى مدة تواجدها فما أن أختلي بنفسي حتى أنزعها وأرميها.
في أحد تلك الصباحات كنت كعادتي في فناء البيت بين الحمام أشرع ذراعي النحيفتين وعلى كتفي حايك (لحاف أبيض يلف جسم النساء بالكامل في شمال إفريقيا خاصة فى الجزائر وتونس، لكنه يؤول إلى الزوال مثل معظم الرموز الثقافية للمنطقة) امي القديم الأبيض كجناحات حماماتي، وشعيراتي جذلى تتطاير مشوشة الفضاء من حولي كنت أدور وأدور ولساني يلتهم الصمت بتلك الأغنية: زيوالي، زيوالي وديني لخوالي، خوالي بعاد علي جزاير عربية…..
دخلت إمرأة تجر خلفها عطر المسافات البعيدة؛ “إنها عمتك” قالت جدتي، لقد جاءتنا من وراء البحر.
البحر لا يحبني قلت في نفسي كلما إقتربت منه إمتد نحوي في عصبية ليلتهم قدماي، ليس كالعشب الذي ينحني ترحيبا و يفسح المكان لبصماتي، ثم إن البحر كاذب مخادع يسرق من السماء زرقتها ويغري بثوبها الشمس كل مساء فتنام في جوفه، ثم يغتنم السواد فرصته ويطبق على المدينة بالأشباح.
كانت المرأة كذلك بلا لون تلبس أثوابا حزينة؛ ليست تشبه جدتي، شعيرات رأسها مهذبة وباهتة تستقر عند أطراف أذنيها، قررت أن لا أحبها.
كان مع المرأة إبنها الصغير عيناه كثيرة الثرثرة ولكن شعره هو الآخر باذخ التهذيب. إقترب مني وراح يلتقط زهيرات الياسمين المنتحرة من على الأرض ويغرسها فوق رأسي ثم يمكسك بأطراف الحايك ويعزفه في الفضاء فرحت أعدو وهو ورائي نحلق مثل أغنيه. فأحببته.
جميلة تلك الحمامة، لو نرى لون عينيها من تحت الغابة الهوجاء فوق رأسها قالت المرأة. يومها إصطحبني جدي عند سي طاهر كنت أحيانا ازوره رفقة أخي الذي يكبرني قليلا. ذلك أن سي طاهر كان يهوى إقتناء الشعر لا عجب في ذلك فرأسه كانت ملساء كبيض الحمام. أجلسني على ذلك الكرسي العالي نظرت إلى الأسفل بعد لحظات وإذا بشعيراتي هي الأخرى تنتحر على الأرض كزهيرات الياسمين. قيل لي بعد سنين انني لم أتوقف عن البكاء بعد تلك الحادثة لأيام وسكنت بين أضلعي الحمى ولم تسعف أمي تعاويذ جدتي ولا التمائم. ولم تكفني خيوط كل المحارم لأضيئ خيمتي من جديد أو أفرش الحقول الخضراء.
أرسلت فى ذاكرة | Tagged ّذاكرة | Leave a Comment »
مارس 11, 2008 من تأليف hassna

كل يوم خميس أنزل إلى السوق، وأختار بعض الخضار الطازجة لغداء يوم الجمعة من الطماطم الأحمر المتماسك، ومن الكوسا الأخضر اليانع، وشيئ من اللفت الأبيض، والقرع الأصفر. أعود إلى بيتي بهذه التشكيلة من الألوان. فغدا يوم الكسكسي على الطريقة الجزائرية. أفعل ذلك منذ سنوات، وخاصة بعد ميلاد أطفالي وكأني بذلك أستجدي إعتذارا من أمي ومن ذلك الوطن الذي هجرته وأحافظ على وصل ولو بطبق. اولادي وزوجي يعرفون هذه الحقيقة جيدا ويلتزمون بهذا القانون الإجباري فلا يسألون أبدا يوم الجمعة :ماذا سنأكل؟ فهذا السؤال وحده كفيل بتعرضهم إلى خطبة طويلة عن بلدهم الأصل، وعن عادات المأكل والملبس والحديث، وغالبا ما كانت تنتهي تلك الخطبة بجو حدادي أستسلم فيه أنا للبكاء ويجتهدون هم في مواساتي وتهوين الأمر علي .ثم يلتفون ولو على مضض حول المائدة. لا أمانع في أن يتبرعو بتعليقات على شاكلة:”لذيذ جدا، إنه أفضل طبق لدي، امي هل تسمحين لي بالمزيد…..” إلى غير ذلك من الشعارات التي لقنتهم إياها إتقاءً للفتنة أو الثورة التي بدأت ألمح بعض بوادرها على إبني الأصغر. لقد بت ألاحظ أنه أحيانا لا ينهي طبقه ومرات يطلب أن أعفيه من بعض الخضروات، فأستشعر في ذلك الخطر خاصة وأنه على إحتكاك بثقافات أخرى في فن الطبخ في هذا البلد الذي يحوي أكثر من مئة وعشرون جنسية كما يقولون. ولهذا قررت ان أبذل مجهودا أكثر في ترويضه كما روضت قبله اباه وأخاه. أعلم مسبقا أن المهة لن تكون بسيطة فهو عكسهما أرى فيه” تشي غيفارا”الصغير”.
أرسلت فى أسرة | 6 تعليقات »
مارس 11, 2008 من تأليف hassna
عندما كنت في سنوات المدرسة و بالتحديد في الصف السابع، جاءنا مدرس جديد لمادة الرياضيات، من مدينة من الجنوب الجزائري “غرداية”. وقد كنا نسميه “المزابي” نسبة إلى بني مزاب. لقد كان هذا المعلم مختلفا عن بقية المعلمين،يتصرف بعصبية ولكن دون عدوانية،يتكلم بسرعة وبلكنة كنا نجد صعوبة في إستيعابها يلبس زيا تقليديا لم نتعوّده عند غيره من المعلمين، كان يضع طربوشا أحمر على رأسه ويلبس سروالا فضفاضا عليه قميص ابيض مطرز يصل إلى الركبتين وكانت تغطي وجهه لحية خفيفة مصففة بعناية فائقة تضفي على هيئته جمالا مميزا، ويفوح منه عطر الياسمين. تحضرني صورته اليوم فأقول في نفسي لقد كاد فعلا رجلا أنيقا بطراز خاص وأتأسف قليلا على غياب هذا الجزء من الذاكرة الثقافية المتوارثة عن طريق الملبس . لكن أغرب ما فيه كانت طريقته فيى التدريس. لا أذكر إسم المعلم، لكن أبدا لم أنس درسه ذاك عن الما لا نهاية وقد كان ذلك أول درس في الرياضيات او مادة الجبر. قلت في نفسي:كيف يمكن ذلك لا بد أن هناك نهاية ما دامت هناك بداية؟ ولكن لم أجرؤ على التصريح برأيي، فوقتها كان من قلة الأدب أن نشكك في كلام الكبار أو أن نناقشهم فيه، ولهذا إحتفظت برأيي. فلما رآنا جميعنا محدقين متسائلين، لم يجد إلاّ ان يرسم خطا مستقيما على السبورة ثم أخذ يمده حتى خرج من القسم إلى الساحة وهو يردد بأعلى صوته ” مالا نهاية ما لا نهاية“تجمعنا كلنا عند الباب مندهشين أولا ثم انفجرنا ضحكا على هذا الأستاذ المسكين، الذي يصدّق بالما لا نهاية. من يومها قررت في نفسي أن الرّياضيات علم المجانين ولم أستوعبها أبدا.
أرسلت فى تربية | 2 تعليقات »
مارس 11, 2008 من تأليف hassna

تذكرت وأنا اتوضؤ إستعدادا للصلاة جارة لي عندما كنت في سنوات المدرسة الإبتدائية، كانت تكبرني قليلا ولكنها تركت المدرسة في سن جد مبكرة. جارتي تلك والتي كان إسمها فاطمة الزهراء كانت أمازغية تتكلم إلى جانب لغتها الأم اللهجة الدارجة الجزائرية و شيئا مماّ علق في ذهنها من اللغة الفصحى قبل ان تغادر المدرسة. كانت فاطمة الزهراء تقول لي دائما : عليك أن تتذكري وتحفظي ما يلي عن ظهر قلب إن أردت دخول الجنّة : حينما تموتين وتدفنين في القبر سوف يأتيك ملك ويطرح عليك بعض الأسئلة، فإن أحسنت الإجابة دخلت الجنة وإن لم تفعلي كان مثواك النار. فأسألها بشيئ من الخوف: وما هي هذه الأسئلة وكيف علي أن أجيب؟ تقول فاطمة الزهراء: سوف يسألك الملك، من هو إلاهك ومن هو نبيك وما هو دينك؟ وعليك ان تجيبي هكذا: إلاهي هو الله نبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم وديني هو الإسلام. كانت تقول كل ذلك باللغة العربية الفصحى. فأسألها: وهل يجب أن أقول هذا بالفصحى؟ فتجيبني بالتأكيد ولهذا فأنا أّكرّر هذا يوميا حتى لا أنسى إن مت فجأة. لا أخفي عليكم أنني خفت عليها قليلا، فهي لم تترك المدرسة بتلك السرعة إلاّ لأنها كانت بطيئة الحفظ وسريعة النسيان. غير أن ما كان يهمّني أكثر هو حال جدّتي ، كانت جدّتي تكرر على مسمعي كل يوم بلهجتها الأمازغية غدا سأموت،” كم من غد مرّ ولم تمت” ومع ذلك خفت ان تغادرني فجأة وهي لا تعرف هذه الإجابات بالفصحى، فقرّرت أن ألقنها ذلك . المهمّة كانت شبه مستحيلة فجدّتي لا تفقه من العربية سوى بعض الآيات والسور لصلاتها وتعتقد أن وليها الطاهر “سيدي زيان” كما كانت تسميه هو ايضا من الأنبياء و كثيرا ما كنت أسمعها تقسم بإسمه و أنه حينما دخلت دابة يوما وتبولت في مسجده أو مقامه ( أكرمكم الله) حمل المقام على ظهره وانتقل به إلى مكان آخر.و مع ذلك لم أيأس وكنت دائما أكرّر المحاولة، أما جدّتي فكانت تصغي إلي وهي تبتسم وكأن وقع الكلمات كان يروق لها وإن كانت لا تقوى على ترديدها بنفس الشكل. ماتت فاطمة الزهراء في سن مبكرة تماما مثلما غادرت المدرسة أدعو لها الله أن تكون وجدّتي من أصحاب الجنة.
أرسلت فى إيمان | تعليق واحد »
مارس 11, 2008 من تأليف hassna


بعض النساء إذا كرهت زوجها دست له السم في الطعام وبعضهن إذا أحبته، لن تهنأ حتىّ تلده من جديد . أنا من الشق الثاني فلتذهب مواثيق الهدنة كلها إلى الجحيم. اتعقب تاريخه …مسكينة نسيت أن تدوّن يوم ميلاده تأخذني نشوة الإكتشاف فأختار له تاريخا من عندي ، وليكن ذلك يوم تذهب إلى الحصاد هكذا لن تحضر مولده. ثم أفتش في دفاتره القديمة واكتب ملاحظة عند كل هامش،وأمزق الصور. ألتفت إليها، أقلم أظافرها ، أرتب جديلتها اغني لها كالأطفال في مسمعها وأغويها بنوم القطط بين ذراعي.أتربص به فإن أصبح بين الغفو واليقظة إستحلت إلى شهرزاد اهمس له الف حكاية وحكاية تبدا كلها حين رايتك وكلها تنتهي ثم سكنت إلي. أتركه لأحلامي و أروح أجمع دفاتر أطفالي والصورو احفظها فيمكان أمين فأنا لا أرضى بنوم القطط.
أرسلت فى أسرة | 3 تعليقات »
مارس 11, 2008 من تأليف hassna

عندما كنت طفلة كنت متعلقة بجدّتي كثيرا ,وكان يحلو لي أن أسألها :”شْحال عمرك ماني”أي كم عمرك جدتي .لقد كنت أراها مسّنة جداً , ربما ألف سنة؟ كانت تجيبني :”عمري ستين سنة وغدْوة نموت”. كانت دائما تكرر هذه العبارة “سأموت غداً”وبما أنهم أخبروني أن الموت ينتقل دائما من أخمص القدمين,فإنني كنت أستيقظ كلّ ليلة وأتحسس قدميها ,فإن شعرت ببُرودة أخذت أفركهما و أغطيهما علّني أوقف الموت لليلة أخرى وأحبط مشروع جدتي بالرحيل.الظاهر أنني نجحت فقد عاشت جدتي لسنوات طويلة بعد أن يأس الموت أن يختطفها مني على حين غرّة.
أرسلت فى تربية | 3 تعليقات »
مارس 11, 2008 من تأليف hassna
-

أمي إنسانة متطرفة لا تؤمن كثيرا بالحلول الوسطى فهي إما أن تحبك و لا تصدق فيك لومة لائم او تكرهك ولا ترى فيك خيرا حتى وإن أتيت لها بيد خضراء من الجنة مثلما يقال عندنا في الجزائر. أما في مجال التربية فقد كان مثالها دائما الوقاية خير من العلاج. لكن علاج أمي كان له طعم الفلفل الحار الذي كانت تزرعه وتتفنن في الإعتناء به في حديقتها الصغيرة خلف البيت ولهذا لم يكن بيتنا يخلو منه ابدا. وكم كنت أحب شكل تلك القلائد الحمراء التي كانت تصنعها منه ثم تعلقها في أماكن مختلفة من المطبح والباحة. و إلى جانب إستعمالها للفلفل الحار في الطعام كانت لها فيه مآرب أخرى، وهو كونه سلاحها الفعال أمام الكلمات الكبيرة أو(les gros mots)كما يقال بالفرنسية. فما إن فكر أحدنا أو نطق بإحدى تلك الكلمات الكبيرة أمسكته بين ركبتيها وحكت له الفلفل في فمه، وقد نالت إحدى أخواتي هذا العلاج مرة ما جعلها تتردد لسنوات حتى في الإجابة على الأسئلة في حضرة أمي .لأن قائمة الكلمات الكبيرة، طويلة ولم تكن قد أحصتها كلها. طبعا كنا نتمرد أحيانا فنتجمع في إحدى غرف البيت وننصّب من بيننا حارسا ثم نروح نحصي ماتعلمناه أو ما سمعناه عن الكبار والذي لم يكن يحق لنا نحن الصغار ان نتفوه به، ولم نكن نفهم كيف يعاقبوننا على موروث لغوي لم يصلنا إلاّ عن طريقهم ، فلا مجال وقتها في إتهام قنوات الإعلام من تلفزيون أو أنترنت ولم نكن قد سمعنا بعد بالعولمة، فقد كانت الرقابة الإجتماعية في أوج قوّتها آنذاك. ولكنه ذلك النفاق الذي يسعى إلى الملائكية بنعال الشياطين. أما اليوم فلا يمكنني ان استعمل هذا العلاج مع طفلي الشقي ، وإلى ألّبتُ ضدي منظمة الدفاع عن حقوق الطفل،ولذلك فقد إهتديت إلى طريقة أخرى غير الطريقة الإرهابية لأمي :بما أننا في عصر الديموقراطية والحوار. كلما إحتاج إبني إلى الإنفاق من رصيده اللغوي البائس للكلمات الكبيرة، طلبت منه ان يذهب ويفعل ذلك في الحمام او(المرحاض) أكرمكم الله، ثم عليه أن ينظف فمه وأسنانه بالفرشاة والمعجون مدّة خمس دقائق، ذلك ان تلك الكلمات تترك رائحة كريهة في الفم وفي المكان أقول له إن سألني ولهذا فمكانها الطبيعي هو الحمام. وصدّقوني الطريقة ناجعة إلى حد بعيد. في إحدى المرات جاءني مصرخا (وفي عينيه بريقا ابيع الدنيا بما فيها حتى لا يختفي) ماما لقد قلت كلمة كبيرة جدا، فلماعقدت على حاجبي إستعدادا لتأنيبه إستوقفني وقال الا تريدين أن تعرفي ماذا قلت؟ فأجبته انه لا يجب تكرار الكلمات الكبيرة وإلا كان العقاب مضاعفا. إلاّ هذه قال لي ثم اضاف بصوت عال وهو ينقض علي لقد قلت أحبك. فقلت في نفسي ليت كل كلماتنا الكبيرة نحن الكبار بهذا الشكل.
أرسلت فى تربية | 3 تعليقات »